حسن بن موسى القادري

397

شرح حكم الشيخ الأكبر

المقربين وذاك الأبرار والصالحين ، فمن قمع قلبه عن السوى يدخل في طريق الاستواء وينور قلبه بنور المعرفة الإلهية فيكشف له حقيقة وجوده فيفوز بشهود ربه . 158 - من عرف حقيقة وجوده فاز من ربّه بشهوده . كما قال الشيخ قدّس سرّه : ( من عرف حقيقة وجوده فاز من ربّه بشهوده ) أي : الذي خرج عن السوى وتوجه بالإخلاص إلى المولى فتعرّف له فبقدر التعرف عرف حقيقة وجوده فاز من اللّه تعالى لا من نفسه بشهود الرب فيكون من المشاهدين ، وفيه إشارة على أنه ليس كل عارف بالوجود فائزا من الرب بالشهود ، وإن كل فائز بالشهود عارف بحقيقة الوجود ، فليس للتعلم والكسب فيه دخل ، والمراد ( بمعرفة حقيقة وجوده ) أن يعرف أنه لا وجود له وهو قائم بالوجود وظاهر به كما أن الوجود تعين بتعيناته وظهر به ، وذلك أن النفس الرحماني المسمّى بالهوية السارية والظل الممدود والرحمة التي وسعت كل شيء لما مرّ بالأشياء انصبغ بصبغ كل شيء وحصل من ذلك الانصباغ بصبغ الأشياء صور لا تتناهى فظهر هو بها وظهرت هي به ؛ لأن النور لا يدرك إلا بالظلمة كما أنها لا تدرك إلا بالنور ، وهذا مشاهد لمن له ذوق في المقامات والكشوفات ، لكن الظهور صفة الظاهر فيما ظهر به ؛ لأن القاعدة أن المرايات إذا امتلأت من الصورة فلا تظهر إلا الصورة لا المرآة وهو مجرب محسوس . فكل من الخلق والحق على ما مر مرآة للآخر ، فتارة يرى الحق في الخلق فلا يظهر إلا الحق ، وتارة يرى الخلق في الحق فلا يظهر إلا الخلق ، وعلى الأول الحق ظاهر والخلق باطن ، وعلى الثاني الخلق ظاهر والحق باطن ولا ظاهر ولا باطن إلا هو هو الظاهر والباطن فلا حق ولا خلق إلا هو ، وليس إلا حق ، وليس إلا خلق ، وليس حقا وخلقا وليس إلا حقا وخلقا فظاهره خلق وباطنه حق ، فهذا هو حقيقة وجود كل شيء والعارف بها فائز بشهود الربّ في كلّ شيء ، وتصير الموجودات كلها مرايا ترى فيها صور الأسماء والصفات ، أو مرآة واحدة يشاهد الحق بأسمائه وصفاته فيها ، والأول حال أهل المكاشفة ، والثاني حال أهل المشاهدة وهو أعلى من الأول وأعلى من هذا الأعلى على أن يرى العارف نفسه محيطا بالعالم الذي هو مرآة الحق وهو مترسم فيه فيكون مشاهدا للحق في نفسه ، كما أن في الأول كان مشاهدا له تعالى في غيره .